المُماطلة في فترة الإنفصال الأسري والتغيير بالنسبة للآجئين

102

يوهنا هييتولا، إلينا يوكينن، إدريس بايان شينواري، احمد زيدان، إلّين نيمنين

إنَّ العواقب المترتّبة على معيشةِ المرء بمنأى عن اسرتهِ وخيمةٌ وفي اغلب الاحيان تغدو بعيدةَ المنال بالنسبة للآجئين. بعد إتمام عملية إعادة شمل الأسرة، قد يلتمس اللآجئون تحسّناً في ظروفهم المعيشية، لكنما المُماطلة في عملية لم شمل الأسرة تعمل على إضعافِ فرصِ الإندماج وتأجيج الخلافات مابين افراد الأسرة الواحدة وهم في خضم المحاولة الرامية لإعادة ترتيب حياتهم معاً

إنَّ الترحال عن موطنِ المرءِ والمضي في عباب السفر الطويل ومواجهة الترحيل القسري او الهجرة العكسية يتطلب تكيّفاً بما يناسب البيئةَ الجديدة. عالرغم من أنَّ التغيير بإعتبارهِ جزء من حياةِ الفرد، ألا انه على وجه الخصوص يغدو عسيراً بالنسبة للآجئين وفي معظم الحالات اذ ينطوي هذا التغيير على تجارب مروِّعة. في هذا النص نمعن النظر في ظروف يحدث التغيير فيها بمنأى عن أسرةِ الفرد كتحصيل حاصل، لحقيقةٍ خلاصتُها أنَّ افرادَ الأسرة الواحدة تسنّى لهم النمو صوب اتجاهاتٍ مختلفة. يرتكز هذا النص على ٤٠ مقابلة حيث اصغينا لتجارب اللآجئين بفنلندا المتمحورة حولَ الإنفصال الأسري. إنَّ موضوع إنفصال اللآجئين عن الأسرة تم بحثه على وجه الخصوص من منظار العواقب النفسية المترتبة عليه. لقد وجِدَ أنَّ الإنفصال له أنْ يتسببَ بشتى الأعراض ابتداءاً بالقلق والأرق والمشاكل المتعلقة بالتركيز والقدرة على التعلّم. يعمل الإنفصال الأسري على عرقلةِ عملية الإندماج جاعِلاً منها مسألةً محفوفة بالتحديات. وقد يعمل على إعادة كوابيس الهلع الى اذهان اللآجئين

[رابط]

يظهر بحث اجراهُ روسّيو وزملاؤهُ (٢٠٠٤) أنَّ أسر اللآجئين ذوي التجارب المتضاربة جذرياً المتمخضة عن فترة الإنفصال تستفاد من إيجادِ روايةٍ مشتركة حول إنفصالهم

مع ذلك، اساود اللآجئين ممن تسنّى لنا مقابلتهم لم يُبدوا الرغبةَ في مشاركةِ تجاربِهم حول الإنفصال الأسري او ربما ينقصهم المكان والفرصة لفعل ذلك. خصوصاً بأنَّ اللآجئين اليافعين غير المصحوبين بعوائلهم ذكروا أنَّ المستشارين والعاملين الآخرين ممن صادفوهم لم يستعلموا احوال علاقاتهم الأسرية. كشفت محادثات اجريت مع مجموعة من المستشارين أنَّ توخي حذر الحديث عن هذا الموضوع سببه التخوف من كم الهلع والمواجع التي ستلحق باللآجئ الشاب حينما يتم التطرق الى موضوع الأسرة. وهذا يناقض نتائج البحث القائل أنَّ استدعاء الذكريات الأسرية هو شيءٌ مفيد

سنوات من الإنفصال

العديد من هؤلاء اللآجئين الذين تسنّى لنا مقابلتهم، اخبرونا أنَّهُ على الرغمِ من ندرة التطرق لموضوع الأسرة اثناء مكوثهم بفنلندا، ألا أنَّهم قاموا باجراء المكالمات الهاتفية مع أسرهم بشكلٍ يومي. مع ذلك، بزغَ تفاوتٌ في مدى الإقبال على التواصل مع الأسرة، فبعضهم كانَ لا يتصل بأسرته اكثرَ من مرتين خلال الشهر الواحد. بالنسبةِ للبعض، كان الإبقاء على التواصل مع الأهل ضرباً من المستحيل وهذا يُعزى الى أنَّ الأسرة نفسها تقطِنُ المخيّمَ او في اماكنَ اخرى يتعذر الوصول إليها. فعلياً أن هؤلاء الذين تواصلوا مع أسرهم بشكلٍ اقل تحدثوا عن ردودِ فعلٍ صادمة يشوبها الفزع عندما تسنّى لعائلتهم الإطلاع على يومياتِ ابنائها. ذاك الشاب الذي كان قد اخبر والدتَه احتساءهُ للمشروبات الكحولية من حينٍ لآخر، كان قد تسبب بإنشطاطِ والدتِهِ غضباً واصفةً اياه بالكذاب. لم تصدق تلك الأم أنَّ ابنها كان يشرب. قد يجعل المرور بتجربتين مختلفتين في الحياة التواصلَ الدائم مع الأهل تحدياً اصعب.

يمكنُ لغياب افراد الأسرة لفترةِ طويلة أنْ يبدو على أنه اجتثاث. في إحدى الأسر، يتم العثور على أمٍ بعد أنْ اختفت لسنين في غياهب المجهول، والتي لم تتذكر ابناءها بسبب صدمةٍ كبيرةٍ كانت قد تعرّضت لها. إن تلك الأسرة التي هربت الى فنلندا وجدت انه لمن شبهِ المستحيل فهم تلك الشخصية الجديدة التي لفحها التغيير فالتهمَ ذكرياتها وارداها لاتعرِفُ ابناءها. فإثبات احقيةِ لم الشمل هنا كان مستحيلاً، فالأبناء لم يعودوا قاصرين لإستيفاء شروط إحضار والدتهم لتلتحق بهم

اعادةِ شمل الأسرة 

قلةٌ ممن تسنَّى لنا مقابلتهم كُتب لها النجاح في إعادة الشمل بإسرِها. إنَّ رؤيةَ هؤلاء اللآجئين لأسرهم مرةً اخرى كانت بمثابةِ طوق نجاة فمن الآن وصاعداً ليس عليهم القلق بشإنِ سلامةِ أسرِهم. مع ذلك، كانت هذه الخطوة ايضاً بدايةَ إعادةِ بناءِ الروابط الأسرية. قد يصبح الزوج المنتقل الى فنلندا متديّناً بإضطراد اثناءَ فترةِ الإنفصال، بينما يجنحُ اللآجئ المقيم بفنلندا لإنتحاء توجّهٍ اكثر علمانيةٍ بما يخص معتقداته. إنَّ بعض الذين تسنّى لنا مقابلتهم كانوا قد تحوّلوا من الإسلام الى المسيحية، تغييرٌ ماكان للعائلة الوافدة الى فنلندا أنْ تستسيغهُ

مع ذلك، إن لكل ظرفٍ عائلي خصوصيته. قامَ أحدُ الآباء بوصفِ زوجتهِ التي انتقلت الى فنلندا كيف أنَّها سبقتهُ في تعلم اللغة منشئةً صداقاتٍ مع الجيران الفنلنديين. شعرَ الأب حينها بأنَّ تلكؤ عملية إندماجهِ يُعزى الى رحلةِ اللجوءِ المروِعة التي اتخذها مردوفةً بالقلق الدائم ازاءَ معيشةِ عائلته هناك. بينما إستطاعت زوجتُهُ شقَ مجرىً سلس لحياةٍ جديدة بمجرد انتقالها للعيش في فنلندا

احد الشباب اللآجئ ممن تسنّى لنا مقابلتهم كان قد تمكن من إعادة شملِ اسرتِهِ بعد معيشةٍ استمرت لبضعَ سنين شاطر خلالها غربتَهُ مع أختهِ الصغرى. وصف لنا الصعوبات التي قاسها كل من ابواهُ وشقيقتُهُ في البحث عن ارضٍ عليها يُجمع شملهم. اما شقيقته فكانت قد نشأت لتصبحَ مراهقةً اثناءَ مكوثها بفنلندا، وقد تم إجبارها على الإستقلال بفترة مبكرةٍ من عمرِها. لذا وجدت من الصعب الرضوخ للوضع الجديد حيث سيستهدف والداها كبحَ جماح سلوكها وتفاعلاتها الإجتماعية. إنَّ الأخَ الاكبر، الذي كان اصلاً بعيداً عن الوطن بغيةَ استكمال دراسته، وجدَ أنَّ الفرصةَ نافدة لإجراء نقاشاتٍ هادئة بين شقيقتِهِ ووالديها، مستأنفاً الإسهاب؛ كيفَ للقلق الماضي ازاءَ سلامة عائلتِهِ أنْ يتحول الى قلقٍ ناشبٍ عن الخلافٍ الدائمٍ مابين افراد الأسرةِ الواحدة

الخلاصة تكمن هنا، على الرغم من إمكانيةِ تحسّنَّ الظروف بالنسبةِ للآجئين المُقيمين بفنلندا،ألا انَّ الممماطلة في عملية لم شمل الأسرة تعمل على إضعافِ فرصِ الإندماج مؤججةً  بذلك المشاحنات بين افرادِ الأسرةِ وهم في خضمِ المحاولة الرامية لإيجاد دربٍ صوب التعايش السلمي في احضانِ وطنِهم الجديدْ

نبذة عن المدونة

يعد مدخل المدونه هذا هو الجزء الاول من سلسلة متعددة اللغات مكونة من ثلاثة اجزاء تعرض نتائج مشروع بحث “الإنفصال الأسري، حالة الهجرة والسلامة اليومية” يعنى المشروع في تقصي تأثير قيود سياسة الهجرة من حيث تجربة وتنظيم السلامة اليومية بين المهاجرين المستضعفين وعائلتهم ماوراء الحدود

المؤلفون :

إلينا يوكينن طالبة جغرافية في جامعة توركو، وتقوم حالياً بالعمل على اطروحة الماجستير كجزء من مشروع ” الإنفصال الأسري، حالة الهجرة والسلامة اليومية: استراتيجيات وخبرات المهاجرين المستضعفين ” ( اكاديمية فنلندا ٢٠١٨-٢٠٢١ )

يستكمل إدريس بايان شينواري حالياً دراسته في مجال الخدمات الاجتماعية بجامعة دياكونيا للعلوم التطبيقية. عمل كمساعد باحث في مشروع “الإنفصال الأسري حالة الهجرة والسلامة اليومية: استراتيجيات وتجارب المهاجرين المستضعفين” خلال ربيع عام ٢٠١٩

احمد زيدان شاعر وصحفي من الموصل، يعمل كمساعد باحث في المشروع ” الإنفصال الأسري، حالة الهجرة والسلامة اليومية: استراتيجيات وتجارب المهاجرين المستضعفين “

إلين نيمنن متخرجة من جامعة توركو. عملت كمساعد باحث في معهد فنلندا للهجرة

تعمل الباحثة الأقدم يوهنا هييتولا ( معهد فنلندا للهجرة ) على مشروع “الإنفصال الأسري، حالة الهجرة والسلامة اليومية: استراتيجيات وتجارب المهاجرين المستضعفين ” ( اكاديمية فنلندا ٢٠١٨-٢٠٢١ )

هنا بإمكانكم قراءة المقالة المدونة باللغةِ الفنلندية، الإنكليزية والداريةْ

Translations of this text in Finnish, English, and Dari.